ابن عربي
43
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
أعم ، فاعلم أن التعريف الذي جاء به عيسى ما هو تعريف عين بل هو تعريف جنس ، فلا فرق بينه بالألف واللام وبين عدمهما ، فعيسى ويحيى في السلام على السواء كما هما في الصلاح كذلك ، فإن اللّه تعالى قال عن يحيى عليه السلام ( وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ) فعيّنه في النكرة ، وقال في عيسى ( ومن الصالحين ) فعيّنه في النكرة . [ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 16 إلى 17 ] وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا ( 16 ) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا ( 17 ) جبريل عليه السلام هو الذي تمثل لمريم بشرا سويا عند إيجاد عيسى عليه السلام في حضرة الخيال المحسوس يقظة ، فانتقل حكم البشر إلى الروح لما ظهر بصورة البشر ، فأعطى الولد الذي هو عيسى ، وليس ذلك من شأن الأرواح ، ولكن انتقل حكم الصورة إليها بقبوله للصورة . واعلم أن الأرواح لها اللطافة ، فإذا تجسدت وظهرت بصورة الأجسام كثفت في عين الناظر إليها ، والأجسام لها الكثافة شفافها وغير شفافها ، فإذا تحولت في الصور في عين الرائي أو احتجبت مع الحضور فقد تروحنت ، أي صار لهم حكم الأرواح في الاستتار ، وأما سبب كثافة الأرواح وهي من عالم اللطف فلكونهم خلقوا من الطبيعة ، وإن كانت أجسامهم نورية فمن نور الطبيعة كنور السراج ، فلهذا قبلوا الكثافة ، فظهروا بصور الأجسام الكثيفة ، كما أثر فيهم الخصام حكم الطبيعة لما فيها من التقابل والتضاد ، فمن هذه الحقيقة التي أورثتهم الخصومة تجسدوا في صور الأجسام الكثيفة ، وأما الكثيف يرجع لطيفا فسببه التحليل ، فإن الكثائف من عالم الاستحالة ، وكل ما يقبل الاستحالة يقبل الصور المختلفة والمتضادة ، والأرواح لا تتشكل إلا فيما تعلمه من الصور ، ولا تعلم شيئا منها إلا بالشهود ، فكانت الأرواح تتصور في كل صورة في العالم إلا في صورة الإنسان قبل خلق الإنسان ، فإن الأرواح وإن كان لها التصور فما لها القوة المصورة كما للإنسان ، فإن القوة المصورة تابعة للفكرة التي هي صفة للقوة المفكرة ، فالتصور للأرواح من صفات ذات الأرواح النفسية لا المعنوية ، لا لقوة مصورة تكون لها ، إلا أنها وإن كان لها التصور ذاتيا فلا تتصور إلا فيما أدركته من صور العالم الطبيعي ، وقوله تعالى « فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا » تنبيها على المباشرة ، فإنه لا يوجد أحد من بني آدم إلا عن مباشرة ، فكان الروح واسطة